الجاحظ

131

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

والمواتاة ، إن كانت هناك طبيعة ، أو جريت من الصناعة على عرق . فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ، ومن غير طول إهمال ، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك ، وأخفّها عليك ، فإنك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب ، والشيء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله ، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات ، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة ، كما تجود به مع الشهوة والمحبة . فهذا هذا . وقال : ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما ، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات . فإن كان الخطيب متكلما تجنّب ألفاظ المتكلمين ، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا ، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين ، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم ، وإلى تلك الألفاظ أميل ، وإليها أحنّ وبها أشغف ، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء ، وأبلغ من كثير من البلغاء . وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني ، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء ، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم ، فصاروا في ذلك سلفا لكلّ خلف ، وقدوة لكل تابع . ولذلك قالوا العرض والجوهر ، وأيس وليس « 1 » ، وفرقوا بين البطلان والتلاشي ، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك . وكما وضع الخليل بن أحمد « 2 » لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب ، وتلك الأوزان بتلك الأسماء ، كما ذكر الطويل ، والبسيط ، والمديد ، والوافر ، والكامل ، وأشباه ذلك ، وكما ذكر الأوتاد

--> ( 1 ) أيس وليس : الوجود والعدم ، استعمل الكندي هاتين اللفظتين في رسائله الفلسفية وكان معاصرا للجاحظ . ( 2 ) الخليل بن أحمد الفراهيدي عاش في القرن الثاني للهجرة ووضع علم العروض وعلم الموسيقى وعلم المعاجم . وقد ذكره الجاحظ في بعض رسائله .